«الناتو الخامل»: إدارة ترامب تعيد رسم أمن أوروبا وتحول الأدوار داخل الحلف

في قاعات مؤتمر ميونخ للأمن، أطلق مسؤول في البنتاجون تحذيرًا شديد اللهجة مفاده أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لتحمل العبء الأكبر في الدفاع عن أوروبا.
هذا الإعلان يعكس توجهًا جديدًا تبنته إدارة الرئيس دونالد ترامب، مبنيًا على رؤية فكرية تهدف لإعادة توزيع الأدوار داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
جذور الفكرة
ترجع هذه الرؤية إلى ورقة بحثية صدرت عام 2023 عن الأكاديمي البريطاني سومانترا مايترا، تحدثت عن مفهوم “الناتو الخامل”، أي تحالف يبقى قائمًا شكليًا لكنه لا يُفعّل إلا عند تهديد وجودي مباشر للغرب.
الفكرة تبنّتها الإدارة الأمريكية وأصبحت جزءًا من الوثائق الاستراتيجية الرسمية مثل استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني، مع تحول من “تقاسم الأعباء” إلى “نقل الأعباء”، ما يعني إسناد المسؤوليات العملياتية إلى الأوروبيين فعليًا.
آلية الناتو الخامل
يقوم المفهوم على ثلاثة محاور رئيسية:
1. نقل المسؤوليات العسكرية التقليدية – من اللوجستيات والاستخبارات إلى القوات البرية إلى الدول الأوروبية، مع احتفاظ واشنطن بالمظلة النووية وبعض القدرات البحرية الاستراتيجية.
2. تسليم مواقع القيادة العسكرية داخل الحلف إلى جنرالات أوروبيين، ما يمثل تحولًا عمليًا ورمزيًا في الهيمنة الأمريكية.
3. تجميد توسع الحلف وعدم استقبال أعضاء جدد، لتعزيز الاستقرار الاستراتيجي طويل المدى.
دوافع التحول
يعتبر مؤيدو هذا التوجه أن البيئة الدولية تغيرت، مع صعود الصين واستنزاف الموارد الأمريكية خلال الحروب السابقة، ما يفرض إعادة ترتيب الأولويات لصالح المحيطين الهندي والهادئ، مع ترك أوروبا لتتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.
ردود الفعل والمخاوف
رغم عدم حدوث انسحاب أمريكي كامل حتى الآن، يثير هذا التوجه مخاوف من إفراغ المادة الخامسة من مضمونها، خصوصًا في مواجهة روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين. بينما يرى أنصار الفكرة أن موسكو قوة إقليمية محدودة، يحذر منتقدوها من فراغ استراتيجي قد يدفع موسكو لاختبار حدود الردع.
السيناريوهات المستقبلية لأوروبا
تواجه العواصم الأوروبية خيارات صعبة:
الامتثال السريع عبر رفع الإنفاق الدفاعي وبناء قدرات مستقلة.
التفاوض لإبطاء التحول وضمان التزامات أمريكية واضحة.
تطوير صيغ أمنية أكثر استقلالًا عن واشنطن.
في المحصلة، السؤال ليس “هل ستغادر الولايات المتحدة أوروبا؟” بل “كيف ستبقى فيها؟”، بين الانسحاب الكامل والهيمنة التقليدية، تقترح إدارة ترامب مسارًا ثالثًا يختبر صلابة الحلف الأطلسي ويعيد توزيع الأدوار بين واشنطن وأوروبا.



