تقارير

ما وراء الدفء السياسي بين القاهرة وأنقرة..تحول استراتيجي أم خطوة اضطرارية؟

كتبت: هدير البحيري

جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتشابك فيه الأزمات وتضيق فيه هوامش المناورة أمام القوى الفاعلة في الشرق الأوسط. فالتصعيد المستمر في قطاع غزة، وهشاشة المسارات السياسية في ليبيا، وتفاقم الصراع في السودان، إلى جانب الاضطرابات المتزايدة في البحر الأحمر، أعادت جميعها طرح سؤال الاستقرار الإقليمي بوصفه أولوية تتقدم على حسابات الخلافات التقليدية.

في هذا السياق، بدت الزيارة أبعد من كونها محطة بروتوكولية أو امتدادًا لمسار تطبيع العلاقات بين القاهرة وأنقرة، لتتحول إلى محاولة لإعادة تنظيم المصالح بين قوتين إقليميتين محوريتين، تمتلكان تأثيرًا مباشرًا في عدد من بؤر التوتر. فزخم اللقاءات، وكثافة الملفات المطروحة، وانعقاد مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، إلى جانب بيان مشترك موسع البنود، كلها مؤشرات على انتقال العلاقة من مرحلة كسر الجمود وإدارة الخلافات، إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على بناء آليات تنسيق مؤسسية.

ويطرح هذا التطور تساؤلًا مهمًا حول طبيعة هذا التقارب وحدوده: هل تمثل زيارة أردوغان إلى القاهرة خطوة تأسيسية نحو شراكة استراتيجية قادرة على الصمود أمام تعقيدات الإقليم، أم أنها صيغة براغماتية مؤقتة لاحتواء المخاطر وامتصاص ضغوط اللحظة الراهنة؟ للإجابة عن هذا السؤال، تبرز أهمية قراءة الزيارة من زاويتين متكاملتين: الأولى تتعلق بالرؤية المصرية لإدارة الإقليم، والثانية ترتبط بحسابات أنقرة وإعادة تموضعها في محيط مضطرب.

وفي هذا السياق، قال الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن مصر تنتهج منذ سنوات سياسة واضحة المعالم يمكن توصيفها بـ”سياسة الالتزام الاستراتيجي”، وهي سياسة تقوم على الانفتاح على مختلف القوى والأطراف الإقليمية والدولية، دون أن يكون ذلك على حساب علاقاتها مع أطراف أخرى، وبما يحقق المصلحة الوطنية المصرية ويحافظ في الوقت ذاته على الثوابت الوطنية.

وأوضح سلامة، في حوار خاص لـ”داي نيوز”،تعكس الصفقة بعدًا نوعيًا يتجاوز منطق التعاقدات التقليدية؛ كونها تجمع بين الشراء، وتوطين الإنتاج، وبناء قدرات صناعية مشتركة، ما يجعلها تؤسس لإطار تعاون طويل الأمد.

وأضاف أن تزامن هذه الخطوة مع حراك سياسي رفيع المستوى، يعزز الانطباع بأن التعاون الدفاعي يتم توظيفه كوسيلة لتثبيت التقارب السياسي وبناء شبكة مصالح صناعية تقلص احتمالات التراجع في العلاقات.

وأشار سلامة إلى أن هذا النهج يمثل جوهر الدبلوماسية المصرية، سواء على مستوى الدبلوماسية الرئاسية أو الوزارية، مشيرًا إلى أن مصر اشتبكت خلال السنوات العشر الماضية مع مختلف القضايا الإقليمية وبؤر التوتر، وتعاملت مع جميع الأطراف الفاعلة، وهو ما يعكس فاعلية ونشاط السياسة الخارجية المصرية.

وأضاف أن هذا النشاط يعود بالأساس إلى رؤية القيادة السياسية المصرية التي تقوم على الانفتاح على جميع القوى المؤثرة في الإقليم، وفتح قنوات التواصل مع الجميع دون استثناء، انطلاقًا من إدراك عميق لتعقيدات المشهد الإقليمي وضرورة إدارة الأزمات من داخلها، لا من خارجها.

وفي هذا الإطار، أشار سلامة إلى أن استقبال مصر لزيارة الرئيس التركي أردوغان يأتي في سياق هذا النهج، لافتًا إلى أن أنقرة بات لديها هدف واضح يتمثل في تصفير مشكلاتها مع الأطراف الإقليمية الوازنة والمؤثرة.

ولفت إلى أن زيارة أردوغان إلى القاهرة جاءت بعد زيارته للمملكة العربية السعودية، في إطار تنسيق إقليمي أوسع بين أطراف متعددة، وتبادل للرؤى حول قضايا ثنائية وإقليمية معقدة.

وأوضح سلامة أن المنطقة تشهد في الوقت الراهن بؤر توتر وصراعات متزايدة، تستدعي إعادة النظر في آليات التعامل مع القوى المؤثرة، سواء في قطاع غزة أو ليبيا أو الصومال، وغيرها من الملفات ذات الاهتمام المشترك بين مصر وتركيا.

واعتبر أن زيارة أردوغان إلى القاهرة كانت “ناجحة بامتياز”، لما تحمله من مكاسب محتملة على المستويين السياسي والاقتصادي.

وأكد سلامة أن الزيارة يمكن أن تسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي الثنائي، إلى جانب تحقيق توافق سياسي بشأن عدد من بؤر التوتر والصراع في الإقليم، بما يخدم هدف تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل الأزمات المتفاقمة في غزة والسودان وليبيا وسوريا.

وقال سلامة إن أحد الأهداف الرئيسية للزيارة يتمثل في محاولة خفض التصعيد، سواء فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، أو محاولات تقسيم بعض الدول المجاورة، أو سعي بعض الأطراف إلى فرض زعامات إقليمية، فضلًا عن احتمالات التصعيد المرتبطة بضربة أمريكية محتملة ضد إيران.

وأوضح أن مصر وتركيا، باعتبارهما قوتين إقليميتين محوريتين، تبذلان جهودًا مشتركة لمنع انزلاق المنطقة إلى دوامات جديدة من عدم الاستقرار، مؤكدًا أن وجود الدولتين معًا يعيد هندسة وتشكيل الإقليم في ضوء ترتيبات أمنية جديدة، لا تعتمد على قوى دولية أجنبية، مثل الولايات المتحدة، في توفير الأمن عبر الأساطيل العسكرية، وإنما تقوم على الاعتماد على القدرات الذاتية لدول الإقليم.

ورأى سلامة أن هذا التوجه يفسر توقيع اتفاقات للتعاون الدفاعي والصناعات العسكرية بين القاهرة وأنقرة، خاصة في ظل ما تمتلكه تركيا من خبرات متقدمة في مجال إنتاج الطائرات المسيرة، مرجحًا أن يشهد هذا التعاون إنتاجًا مشتركًا وتوطينًا للصناعات العسكرية داخل مصر، بما يعزز قدرات الجيشين، ويقوي على وجه الخصوص قدرات الجيش المصري في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة.

وأكد أن هذا التعاون يحمل رسالة واضحة مفادها أن مصر تمتلك قوة ردع قادرة على حماية أمنها القومي، وأنها تظل وزنًا إقليميًا مهمًا لا يمكن تجاهله أو استبعاده من معادلات المنطقة.

وأضاف سلامة أن زيارة أردوغان تعكس أيضًا فهم القيادة التركية للدور الإقليمي القيادي الذي تلعبه مصر، وهو ما بدا واضحًا خلال العامين الماضيين، لا سيما في ملف قطاع غزة، حيث نجحت مصر في التوصل إلى تفاهمات واتفاقات رغم الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة.

وأشار إلى أن مصر لعبت دورًا محوريًا في الوصول إلى اتفاقات التهدئة، وكان الرئيس التركي حاضرًا في بعض هذه المراحل بصفته وسيطًا، وصولًا إلى إعادة تشغيل معبر رفح في الاتجاهين، مؤكدًا أن الجانب المصري لم يغلق المعبر يومًا واحدًا، وظل مفتوحًا باعتباره الرئة الأساسية لقطاع غزة، والمنفذ الرئيسي لإدخال المساعدات الإنسانية، التي تمثل أحد أدوات تمسك الفلسطينيين بأرضهم ودعم صمودهم في مواجهة مخططات التهجير.

وأكد سلامة أن التوافق المصري التركي بشأن غزة كان واضحًا، وشكل أداة ضغط مهمة ورسالة شديدة اللهجة، ليس فقط لإسرائيل، ولكن أيضًا للإدارة الأمريكية، حيث شدد البيان الختامي المشترك في ختام زيارة أردوغان على رفض مخططات التهجير، وتفعيل حل الدولتين، ووقف العدوان الإسرائيلي، والالتزام باستحقاقات المرحلة الثانية، والتأكيد على المرجعية الأممية وقرار مجلس الأمن رقم 2803، إضافة إلى رفض الانتهاكات الإسرائيلية بحق المنظمات الإغاثية العاملة داخل القطاع.

واعتبر سلامة أن هذه المواقف تمثل خطوطًا حمراء وضعتها القيادة المصرية، وتوافق معها الرئيس التركي، وتجديدًا لثوابت الدولة المصرية التي ترفض التهجير القسري، وتدعو إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل وفق مبدأ حل الدولتين.

وفيما يتعلق بشرق المتوسط، أشار سلامة إلى أن المنطقة تمثل أهمية استراتيجية كبيرة لكل من مصر وتركيا، وإن كانت تمثل مكسبًا أكبر لأنقرة في ظل معاناتها من نقص موارد الطاقة، مقابل الدور المصري كمركز إقليمي للطاقة، مستفيدًا من موارده الطبيعية والبنية التحتية المتقدمة في هذا القطاع، وقدرته على نقل الغاز إلى أطراف متعددة، بما يحقق مكاسب اقتصادية وسياسية مهمة.

كما تطرق إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مؤكدًا وجود توافق مصري تركي واضح بشأن رفض الاعتراف بـ”صوماليلاند”، والتشديد على أهمية الاستقرار في القرن الأفريقي، وهو ما أشار إليه الرئيس التركي صراحة بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، بما يعكس نهج الدولتين الرافض لتقسيم الدول، والحريص على الحفاظ على وحدة أراضيها ومؤسساتها الوطنية.

وحذر سلامة من محاولات بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها إثيوبيا، لزعزعة الاستقرار في هذه المنطقة الحساسة، والسعي للحصول على منافذ بحرية على حساب حقوق ومصالح الدول الأخرى، بما يهدد أمن البحر الأحمر كممر ملاحي دولي بالغ الأهمية.

وعن الملف الليبي، أكد سلامة أنه كان حاضرًا بقوة خلال الزيارة، مشيرًا إلى أن كلمات الرئيس السيسي كانت شاملة وجامعة، وحظيت بتقدير واضح من الرئيس التركي، حيث شددت على ضرورة خروج الميليشيات المسلحة، وتبني المسار السياسي، واحترام الملكية الوطنية الليبية للحل، بما يعني أن يكون الحل “ليبيًا – ليبيًا” خالصًا.

وأوضح أن ليبيا تمثل بالنسبة لمصر مسألة أمن قومي مباشر، في ظل طول الحدود المشتركة التي تصل إلى نحو 1200 كيلومتر، وأن أي اضطراب في الداخل الليبي ينعكس مباشرة على الأمن المصري، من خلال تهديدات الهجرة غير المشروعة وانتشار السلاح والتطرف، وهو ما يجعل مصر حريصة على تسوية الأوضاع في ليبيا بأقصى درجة ممكنة.

وفي السياق ذاته، قال الخبير في الشؤون التركية وشؤون الشرق الأوسط، شعبان عبدالفتاح في حوار خاص لـ”داي نيوز” إن صانع القرار في أنقرة يقرأ توقيت زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة باعتباره جزءًا من إعادة تموضع استراتيجي في بيئة إقليمية تشهد تآكلًا متسارعًا في أدوات الضبط التقليدية.

وأوضح عبدالفتاح أن التصعيد في غزة، واستمرار هشاشة الترتيبات السياسية والأمنية في ليبيا، إلى جانب الاضطراب المتصاعد في البحر الأحمر، تشكل مجتمعة طوق ضغط مباشرًا على الأمن الإقليمي وحرية الملاحة وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تتقاطع بشكل وثيق مع المصالح التركية.

وأضاف عبدالفتاح أن أنقرة تنظر إلى القاهرة باعتبارها أحد مراكز الثقل الإقليمية القليلة القادرة على التأثير المتوازي في هذه الساحات، وهو ما يجعل التنسيق معها أداة وقائية لإدارة المخاطر الإقليمية، وليس مجرد آلية للتعامل مع تداعيات الأزمات بعد وقوعها.

وأشار إلى أن المقاربة التركية الحالية تنطلق من قناعة راسخة بأن الاستقرار الاقتصادي الداخلي بات مرتبطًا إلى حد كبير بتخفيف مستويات التوتر في الإقليم، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها تركيا، وعلى رأسها معدلات التضخم المرتفعة، وكلفة التمويل والطاقة. ولفت إلى أن خفض المخاطر الجيوسياسية أصبح أولوية استراتيجية، ما يفسر قراءة الزيارة باعتبارها جزءًا من رؤية تركية أوسع، تهدف إلى بناء شبكة شراكات إقليمية وظيفية تسهم في استقرار أسواق الطاقة، وتسهيل حركة التجارة، وتقليل كلفة الانخراط في الأزمات المفتوحة.

وحول ما إذا كانت الزيارة تمثل انتقالًا نوعيًا من مرحلة تطبيع العلاقات إلى تأسيس شراكة استراتيجية فعلية بين القاهرة وأنقرة، أوضح عبدالفتاح أن الزيارة تمثل نقطة عبور من مرحلة “إدارة الخلافات” إلى مرحلة “تنظيم المصالح”، لكنها لا ترقى بعد إلى مستوى شراكة استراتيجية مكتملة الأركان.

وأكد عبدالفتاح أن أنقرة تدرك أن الشراكات الاستراتيجية لا تبنى عبر الرمزية السياسية وحدها، وإنما عبر مواءمة المصالح الأمنية والاقتصادية، وإنشاء آليات تنسيق مستدامة، معتبرًا أن الزيارة تمثل خطوة تأسيسية لاختبار إمكانات الانتقال إلى شراكة أعمق، تقاس بنتائج عملية في ملفات إقليمية محددة.

وأوضح الخبير في الشؤون التركية أن أنقرة تنظر إلى القاهرة بوصفها عقدة جيوسياسية محورية تربط بين شرق المتوسط، والبحر الأحمر، وشمال أفريقيا، والعمق الأفريقي، مشيرًا إلى أن هذا الموقع، إلى جانب الثقل السياسي والعسكري لمصر، يجعلها شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي مقاربة تركية تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي دون الانزلاق إلى استقطابات حادة.

وأضاف أن التقارب مع القاهرة يندرج ضمن سعي تركي لإعادة بناء سياسة خارجية أكثر توازنًا، تقوم على الشراكة مع مراكز الثقل الإقليمي بدلًا من منطق التنافس الصفري.

وفيما يتعلق بملف غزة، أكد عبدالفتاح أن أنقرة ترى في التنسيق مع القاهرة مدخلًا استراتيجيًا لأي دور تركي فعال في الأزمة، نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه مصر في إدارة مسارات التهدئة والوساطة.

وأشار إلى أن تركيا تعتقد أن العمل المشترك مع مصر يتيح نقل الجهود من استجابات إنسانية ظرفية إلى مقاربة أكثر شمولًا، تستهدف التأثير في مسار الأزمة سياسيًا وأمنيًا، لافتًا إلى أن تطور هذا التنسيق إلى دور مشترك أكثر تأثيرًا يظل مرهونًا بتوازنات دولية أوسع، وبمدى توافر هامش حركة يسمح للفاعلين الإقليميين بلعب أدوار أكثر استقلالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى