تقارير

اتهام روسي وتصعيد ميداني مع مطلع عام جديد… ما القصة؟

مع مطلع العام الجديد، عاد التوتر بين روسيا وأوكرانيا إلى الساحة الدولية بعد اتهامات روسية لكييف بمحاولة استهداف مقر رئاسي في إقليم نوفجورود، وهو هجوم نفت كييف صحته واعتبرته محاولة لإطالة أمد الصراع، وتزامن ذلك مع تصعيد ميداني متبادل، وتحركات دبلوماسية نشطة، ما يعكس عمق الصراع وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سلمية.

اتهامات روسية وتشديد في الخطاب التفاوضي

قال الكرملين يوم الثلاثاء الماضي إن موقفه سيتشدد في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب، بعد اتهامه كييف بشن هجوم بطائرات مسيّرة على مقر رئاسي روسي. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: «هذا العمل الإرهابي يهدف إلى إفشال العملية التفاوضية، والعاقبة الدبلوماسية ستكون تشديد الموقف التفاوضي للاتحاد الروسي». وأكد أن الجيش الروسي «يعلم متى وكيف سيرد».

وأكدت موسكو أن أوكرانيا أطلقت 91 طائرة مسيرة هجومية بعيدة المدى، موضحة أماكن إسقاطها، بينما نفت كييف هذه المزاعم بشكل قاطع، مشيرة إلى أن روسيا لم تقدم أي دليل ملموس على الهجوم، وأكد وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها أن الهجوم لم يحدث وأن الاتهامات الروسية تُستخدم لتبرير شن هجمات إضافية.

اقرأ أيضاً:لافروف يحذر أوروبا: أي قوات عسكرية في أوكرانيا ستكون هدفًا مباشرًا لروسيا

تصعيد ميداني متبادل مع بداية السنة الجديدة

ومع بداية العام، أعلن عمدة موسكو سيرجي سوبيانين أن القوات الروسية أسقطت خمس طائرات مسيرة أوكرانية كانت متجهة إلى المدينة، بالمقابل قالت السلطات الأوكرانية إن طائرات روسية هاجمت مباني سكنية وبنية تحتية حيوية في أوديسا، ما أسفر عن إصابة ستة أشخاص.

في الوقت ذاته، أصدر الرئيس الروسي مرسومًا يسمح باستدعاء جنود الاحتياط لحماية المنشآت الحيوية، في خطوة تأتي بعد تعديلات قانونية أُقرت في نوفمبر الماضي تسمح باستدعاء الاحتياط في أوقات السلم.

خطابات رأس السنة ورسائل سياسية صريحة

في خطاب متلفز عشية رأس السنة، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رغبته في إنهاء الحرب، لكنه شدد على أنه لن يوقّع اتفاق سلام ضعيف من شأنه إعادة إشعال الصراع، مشيرًا إلى أن 10% من شروط اتفاق السلام لا تزال محل خلاف.

من جانبه، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استمرار موسكو في الحرب، داعيًا المواطنين إلى دعم القوات الروسية.

تحركات دبلوماسية ومساع أمريكية للوساطة

على الصعيد الدبلوماسي، أجرى المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف محادثات وصفها بالمثمرة مع زيلينسكي ومسؤولين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بمشاركة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

وتركزت النقاشات على تعزيز الضمانات الأمنية وتطوير آليات لمنع التصعيد، بهدف إنهاء الحرب وضمان عدم تجددها.

كما أعلن زيلينسكي انضمام رومانيا وكرواتيا إلى مبادرة «قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية» (PURL)، التي تضم 24 دولة وأسهمت بمبلغ إجمالي 4.3 مليارات دولار، بما فيها نحو 1.5 مليار دولار في ديسمبر الماضي.

أستاذة العلوم السياسية توضح دلالات الاتهام الروسي وتوظيف التصعيد الإعلامي

وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة وئام عثمان، أستاذ العلوم السياسية، في تصريحات خاصة لـ«داي نيوز»، أن اتهام موسكو لكييف باستهداف مقر رئاسي في هذا التوقيت يحمل أكثر من دلالة سياسية واستراتيجية، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تأتي في لحظة حساسة تشهد محاولات، معلنة وغير معلنة، لإعادة فتح قنوات التفاوض أو على الأقل اختبار نوايا الطرفين تجاه مسار التسوية.

الدكتورة وئام عثمان، أستاذة العلوم السياسية
الدكتورة وئام عثمان، أستاذة العلوم السياسية

وأوضحت عثمان أن مثل هذه الاتهامات تُستخدم عادة لإعادة تعريف طبيعة الصراع، بحيث لا يظل في إطار كونه نزاعًا عسكريًا تقليديًا، بل يتحول إلى صراع يمس «رمزية الدولة وهيبتها السيادية»، وهو ما يمنح موسكو مبررًا سياسيًا وأخلاقيًا، من وجهة نظرها، لتشديد مواقفها سواء على المستوى التفاوضي أو العسكري.

وأضافت أن توقيت هذه الاتهامات لا ينفصل عن البعد الداخلي الروسي، إذ تسعى القيادة من خلالها إلى توجيه رسالة للرأي العام مفادها أن الدولة وقيادتها ما زالتا مستهدفتين، وأن الحرب لا تزال مبررة، وهو عامل أساسي للحفاظ على التماسك الداخلي وضمان استمرار الدعم الشعبي في ظل حرب طويلة الأمد وتكلفة متزايدة.

وفيما يتعلق بالتصعيد الإعلامي، شددت أستاذة العلوم السياسية على أن الإعلام بات أحد أهم أدوات التفاوض غير المباشر في النزاعات الدولية المعاصرة، مؤكدة أن تبادل الاتهامات، لا سيما تلك المرتبطة باستهداف رموز سيادية أو منشآت حساسة، يهدف بالأساس إلى رفع سقف المطالب التفاوضية وخلق مناخ نفسي ضاغط على الطرف المقابل.

وأشارت إلى أن الحالة الروسية الأوكرانية تمثل نموذجًا واضحًا لهذا النمط، حيث لا يستخدم الخطاب الإعلامي فقط لتوجيه رسائل مباشرة للطرف الآخر، بل أيضًا لحشد الدعم الدولي، وتبرير أي تشدد محتمل في شروط التفاوض، أو حتى إبطاء المسار التفاوضي نفسه عندما لا تكون الظروف مواتية لتحقيق مكاسب سياسية.

واختتمت الدكتورة وئام عثمان تصريحاتها بالتأكيد على أن تبادل الاتهامات في هذا السياق لا يعكس مجرد تصعيد تكتيكي عابر، بل يكشف عن صراع أعمق حول شروط إنهاء الحرب، إذ يسعى كل طرف إلى الدخول في أي مفاوضات محتملة من موقع قوة، حتى وإن كان ذلك على حساب تهدئة المشهد أو تسريع الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

من جانبه، قال أحمد حسني، الباحث والمحلل في الشأن السياسي، في تصريحات خاصة لـ«داي نيوز»، إن الاتهامات الروسية الأخيرة تمثل محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي المصاحب للصراع، وليست مجرد رد فعل على تطور ميداني محدد. وأضاف أن موسكو تسعى من خلال هذا الخطاب إلى خلق إطار جديد يبرر تشديد سياساتها على المستويين العسكري والسياسي، مع محاولة التأثير على التوازن النفسي للطرف المقابل وإعادة تعريف قواعد الاشتباك في النزاع.

وأوضح ماجد أن الخطاب التصعيدي المتبادل يعكس إدراك الأطراف لأهمية العامل النفسي والإعلامي في إدارة النزاع، مؤكدًا أن الروايات المتضاربة لا تُطرح فقط لتبرير المواقف، بل أيضًا للتأثير على الوسطاء الدوليين، وإعادة توجيه مسار أي مبادرات سياسية محتملة، وإظهار الطرف الأقوى في أي مفاوضات مستقبلية.

وأضاف أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع، حيث أن غياب الثقة المتبادلة، وتغليب الضغط السياسي على منطق التسوية، يجعل فرص التهدئة مرهونة بتغير ملموس في لغة الخطاب قبل تغير الوقائع على الأرض. وأكد ماجد أن أي حل مستقبلي يحتاج أولًا إلى استعادة قدر من التواصل السياسي المباشر، وتخفيف التصعيد الإعلامي، لضمان أن أي اتفاق سلام لا يكون هشًا أو مؤقتًا، ويمنح الطرفين إطارًا مستدامًا لإنهاء النزاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى