أربعة عقود من العقوبات الأمريكية على إيران… من تجميد الأصول عام 1979 إلى تفعيل آلية الزناد في 2025

على مدى أكثر من أربعين عامًا، شكّلت العقوبات الاقتصادية الركيزة الأساسية في العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران.
ورغم اختلاف تقييم الإدارات الأمريكية المتعاقبة لمدى فعاليتها، فإن هذه العقوبات لعبت دورًا محوريًا في توجيه المسار السياسي والاقتصادي للجمهورية الإسلامية، وألقت بآثار عميقة على المجتمع الإيراني ومستوى المعيشة فيه.
وفي حين دفعت العقوبات طهران في بعض المراحل إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، فإنها في المقابل أسهمت في تفاقم الأزمات الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القوة الشرائية، ما عمّق الفجوة بين الشارع الإيراني والسلطات.
الجذور التاريخية للعقوبات (1979–1984)
مثّلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة التحول الكبرى في علاقة البلدين، إذ أطاحت بنظام الشاه، الحليف الأبرز لواشنطن في المنطقة، وأقامت نظام الجمهورية الإسلامية.
ومع احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران، لجأت إدارة الرئيس جيمي كارتر إلى العقوبات كأداة ضغط مباشرة، ففرضت حظرًا على الواردات الإيرانية، وجمّدت أصولًا إيرانية تجاوزت قيمتها 12 مليار دولار.
هذه الخطوات لم تكن مؤقتة، بل أرست الأساس لنهج طويل الأمد في السياسة الأمريكية تجاه إيران. ومع تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية لإيران عام 1984 دولةً راعية للإرهاب، توسّعت العقوبات لتأخذ طابعًا أمنيًا وسياسيًا أشمل، في ظل قناعة أمريكية متزايدة بأن سلوك طهران الإقليمي يشكل تهديدًا مباشرًا لمصالحها وحلفائها.
توسّع العقوبات في الثمانينيات والتسعينيات
خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، انتقلت العقوبات من إجراءات محدودة إلى سياسات أكثر شمولًا استهدفت بنية الاقتصاد الإيراني. ففي منتصف التسعينيات، أصدر الرئيس بيل كلينتون أوامر تنفيذية فرضت حظرًا شبه كامل على التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وإيران، مبررًا ذلك باستمرار دعم طهران لجماعات مصنّفة إرهابية وسعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل.
وفي عام 1996، دخلت العقوبات مرحلة جديدة مع إقرار تشريع استهدف الشركات غير الأمريكية العاملة في قطاع الطاقة الإيراني، وهو ما عُرف لاحقًا بـ«العقوبات الثانوية». هذا التحول أثار توترًا مع الدول الأوروبية، التي رأت فيه تدخلًا في سيادتها الاقتصادية، قبل التوصل إلى تفاهمات مؤقتة مع واشنطن.
البرنامج النووي وتدويل العقوبات (2002–2010)
أدّى الكشف عام 2002 عن منشآت نووية إيرانية غير مُعلن عنها إلى تصعيد دولي واسع. ومع فشل الجهود الدبلوماسية الأوروبية، اتجهت الولايات المتحدة إلى تدويل ملف العقوبات.
ففي عام 2006، بدأ مجلس الأمن الدولي بفرض حزم من العقوبات استهدفت البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، ثم توسعت لاحقًا لتشمل مجالات أخرى.
ولم تقتصر هذه العقوبات على حظر نقل التكنولوجيا الحساسة، بل فتحت المجال أمام الدول لفرض عقوبات وطنية إضافية، خاصة في قطاعات الطاقة والمال والنقل، ما ضاعف الضغوط على الاقتصاد الإيراني.
استهداف النفط والقطاع المالي
مع مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، رأت واشنطن أن العقوبات الأممية وحدها غير كافية للتأثير على سلوك إيران، التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم.
لذلك أقرّ الكونغرس الأمريكي تشريعات ركّزت على قطاع النفط، الشريان الرئيسي للاقتصاد الإيراني، وفرضت ضغوطًا شديدة على الدول والشركات المستوردة للنفط الإيراني.
وفي عام 2012، أدّت العقوبات المالية إلى عزل البنوك الإيرانية عن النظام المالي العالمي، ما تسبب في تراجع حاد في صادرات النفط، وحرمان الحكومة من إيرادات أساسية، ودخول الاقتصاد الإيراني في انكماش غير مسبوق منذ عقود.
الاتفاق النووي 2015
بعد سنوات من الضغط والتفاوض، توصلت إيران والولايات المتحدة ودول كبرى عام 2015 إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي). التزمت إيران بموجبها بتقييد أنشطتها النووية والخضوع لرقابة دولية مشددة، مقابل رفع أو تخفيف واسع للعقوبات المرتبطة بالملف النووي.
غير أن العقوبات الأمريكية المرتبطة بدعم الإرهاب، والصواريخ الباليستية، وملف حقوق الإنسان بقيت قائمة. واعتبرت إدارة باراك أوباما الاتفاق دليلًا على أن العقوبات يمكن أن تكون أداة فعالة لدفع الخصوم نحو التفاوض.
الانسحاب الأمريكي وسياسة “الضغط الأقصى”
في عام 2018، انسحبت إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي، وأعادت فرض العقوبات بكثافة تحت شعار “الضغط الأقصى”.
شملت هذه المرحلة عقوبات غير مسبوقة استهدفت النفط، والبنوك، والشحن، والأفراد، وقطاعات حيوية أخرى، ما أعاد الاقتصاد الإيراني إلى دائرة الضغوط الحادة.
من الجمود إلى آلية الزناد (2020–2025)
في السنوات اللاحقة، تعثرت محاولات إحياء الاتفاق النووي، وسط استمرار الخلافات السياسية. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والنووية، شهد عام 2025 خطوة تصعيدية جديدة تمثلت في تفعيل آلية الزناد، التي تتيح إعادة فرض العقوبات الدولية تلقائيًا، ما أعاد إيران إلى مربع العزلة الاقتصادية الدولية.
منذ عام 1979 وحتى 2025، شكّلت العقوبات الأمريكية مسارًا طويلًا من الضغط المستمر على إيران، تخللته انفراجات محدودة وتصعيدات حادة. وبينما استخدمتها واشنطن أداة لتغيير السلوك السياسي والأمني لطهران، دفعت إيران ثمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا باهظًا، جعل من العقوبات أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتأثيرًا في تاريخ العلاقات بين البلدين.



